فصل: تفسير الآية رقم (44):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المديد في تفسير القرآن المجيد (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (38- 39):

{قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39)}
قلت: {إن}: شرط، و{ما} زيدت لتقوية الشرط، ولذلك دخلت نون التوكيد، وعبر بإن دون {إذا}، مع تحقق مجيء الهدى؛ لأنه غير واجب عقلاً، وجملة الشرط الثاني وجوابه، الشرط الأول، و{جميعاً} حال مؤكدة؛ أي: اهبطوا أنتم أجمعون، ولذلك لا يقتضي اجماعهم على الهبوط في زمان واحد.
ولما أمر الحقّ جلا جلاله آدم أولاً بالهبوط من الجنة، جعل يبكي ويتضرّع ويقول: ألم تخلقني بيدك؟ ألم تسجد لي ملائكتك؟ ألم تدخلني جنتك؟ ثم ألهم الكلمات التي تلقاها من ربه، فتاب عليه ورحمه، فطمع آدم حين سمع من ربه قبول توبته في البقاء في الجنة، فقال له الحقّ جلّ جلاله: يا آدم لا يجاورني من عصاني، وقد سبقت كلمتي بهبوطك إلى الأرض لتكون خليفتي بذريتك، فكرّر عليه الأمر بالهبوط ثانياً. فقال: {اهبطوا منها جميعا} أنتما بما اشتملتما عليه من ذريتكما. فمهما {يَأتِيَنَّكُم مِنِّي هُدىً} أي: بيان وإرشاد إلى توحيدي ومعرفتي، على يد رسول أو نائب عنه، {فَمَن تَبعَ} ذلك الإرشاد، واهتدى إلى معرفتي وتوحيدي، وعمل بطاعتي وتكاليفي، {فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} من لحُوق مكروه {وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} من فوات محبوب، لأني أَصرف عنهم جميع المكاره، وأجلب لهم المنافع، {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا} الدالّة على قدرتنا المنزلة على رسلنا، {وَاسْتَكْبَرُواْ} [النِّساء: 173] عن النظر فيها، أو عن الخضوع لمن جاء بها، {أُوْلَئِكَ أصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.
الإشارة: إذا سكنت الأرواح في عُشِّ الحضرة، وتمكنت من الشهود والنظرة، أمرها الحق تعالى بالنزول إلى سماء الحقوق أو أرض الحظوظ، فتنزل بالإذن والتمكين، والرسوخ في اليقين، لا لطلب جزاء أو لقضاء شهوة، بل تنزل بالله ومن الله وإلى الله، فمن نزل منها على هذا الهدى الحسن {فَلا خَوْفٌ عَلَيْهمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ}، ومن ركب بحر التوحيد مع غير رئيس عارف، ولم يأوِ إلى سفينة الشريعة، واستكبر عن الخضوع إلى تكاليفها لعبت به الأمواج، فكان من المغرقين. {أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}؛ لأن من تحقق ولم يتشرع فقد تزندق، ومن تشرع ولم يتصوف فقد تفسق، ومن جمع بينهما فقد تحقق، جعلنا الله ممن تحقق بهما. وسلك على مهاجهما إلى الممات، آمين.
ولما ذكر الحق تعالى شرف كتابه، ونفى وجد الريب عن ساحته، ثم دعا إلى توحيده، وبرهن على وجوده، بابتداء خلق العالم من عرشه إلى فرشه، وذكر كيفية ابتداء عمارته، خاطب بني إسرائيل؛ لأنهم أهل العلم بالأخبار المتقدمة، وقد مسعوا هذه الأخبار نَبِي أُمِّي لم يُعْهَدْ بقراءةٍ ولا تعلم، فقامت الحجة عليهم، وتحققوا أنه من عند الله. وما منعهم من الإسلام إلا الحسد وحب الرئاسة، فلذلك أطال الحق الكلام معهم، تارةً يُقرِّعَهم على عدم الإيمان وما فعلوا مع أنبيائهم، وتارة يذكرهم النعم التي أنهم الله على أسلافهم.

.تفسير الآيات (40- 43):

{يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)}
قلت: {إسرائيل}: هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل- عليهم الصلاة السلام- وهو اسم عجمي، وبنو تميم تقول: (إسرائين) بالنون، (وإسرا) بالعبرانية: عبد، و(إيل): اسم الله تعالى، فمعناه: عبد الله، وبنو إسرائيل: هم أولاد يعقوب عليه السلام، و{بعهدي} من إضافة المصدر إلى فاعله، و{بعهدكم} إلى مفعوله، و{إياي} منصوب بفعل مضمر، يُقدر مؤخراً. أي: أياي ارهبوا فارهبون. وحذف مفعول {ارهبون} لرؤوس الآي وكذا قوله: {وإياي فاتقون}، والرهبة: خوف مع تحرُّز، و{تكتموا}: معطوف على {تلبسوا}، أو منصوب بأن مضمرة بعد النهي، و{أنتم تعلمون}: جملة حالية.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ} التي خصصتُكم بها، بأن فضلتكم على أهل زمانكم، وجعلت فيكم أنبياء ورسلاً، كلما انقرض نبيّ بعثت نبيّاً آخر، وجعلتكم ملوكاً وحكاماً على الناس، قبل أن تفسدوا في الأرض بقتل الأنبياء، فتكفروا بهذه النعم، فإن الإنسان حسود غيروٌ بالطبع، فإذا نظر إلى ما أنعم الله على غيره حمله الحسد والغيرة على السخط والكفران، وإذا نظر إلى ما أنعم الله به عليه حمله حب النعمة على الرضا والشكر، فاذكروا ما أنعمت به عليكم، وقيدوه بالشكر، {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي} الذي عهدت إليكم، وهو أنكم إن أدركتم محمداً صلى الله عليه وسلم لتؤمنن به ولتنصرنه، ولتبينن صفته التي في كتابكم، ولا تكتمونها، {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} بأن أدخلكم جنتي، وأبيح لكم النظر إلى وجهي، وأحل عليكم رضواني في جملة عبادي، ولا ترهبوا أحداً غيري، فإنه لا فاعل غيري.
وبادروا إلى الإيمان {بِمَا أَنْزَلْتُ} على محمد رسولي، من كتابي، الذي هو مصدق {لِّمَا مَعَكُمْ} من التوراة، ومهيمن عليه، {وَلاَ تَكُونُوا أَوَّلَ} فريق {كَافِرِ بِهِ}، فتبوؤوا بإثمكم وإثم من تبعكم، ولا تستبدلوا الإيمان الذي هو سبب الفوز في الدارين، بالعرضِ الفاني الذي تأخذونه من سفلتكم، فإنه ثمن قليل يعقبه عذاب جليل وخزي كبير. ولا تخشوا أحداً سواي؛ فإن النفع والضرر بيدي، ولا تخلطوا {الْحَقَّ} الذي هو ذكر محمد صلى الله عليه وسلم وصفته التي في كتابكم، {بِالْبَاطِلِ} الذي تريدونه تحريفاً وتأويلاً، {و} لا {تكتموا الحّقَّ} الذي عندكم، من ذكر محمد وصحة رسالته، {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} أنكم محرفون، ولابسون عناداً وحسداً، فيحل عليكم غضبي وعقابي، {وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَى} [طه: 81]. فإذا حصلتم أصول الدين، وهو الإيمان، فاشتغلوا بفروعه، وهي الصلاة والزكاة وغيرهما، فأدوهما على منهاج المسلمين. واجعلوا صلاتكم في جماعة المؤمنين؛ فإنَّ صلاة الجماعة تُفضلُ غيرها بسبعٍ وعشرين درجة، مع سريان واقتباس الأنوار من الصالحين والأبرار، وبالله التوفيق.
الإشارة: إذا توجَّه الخطاب إلى طائفة مخصوصة، حمله أهل الفهم عن الله على عمومه لكل سامع، فإن الملك إذا عاتب قوماً بمحضر آخرين، كان المراد بذلك تحذير كل مَن يسمع، فكأن الحق جلّ جلاله يقول: يا بني آدم اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم، وتفكروا في أصولها وفروعها، واشكروني عليها بنسبتها إليَّ وحدي، فإنه لا منعم غيري، فمن شكرني شكرته، ومن فيض إحساني وبري مددته، ومن كفر نعمتي سلبته، وعن بابي طردته، وأوفوا بعهدي بالقيام بوظائف العبودية، أوف بعهدكم بأن أطلعكم على أسرار الربوبية.
أو: {أوفوا بعهدي} بالقيام برسوم الشريعة، {أوفِ بعهدكم} بالهداية إلى منار الطريقة، أو: {أوفوا بعهدي} بسلوك منهاج الطريقة، {أوفِ بعهدكم} بالإيصال إلى عين الحقيقة، أو: {أوفوا بعهدي} بالاستغراق في بحر الشهود، {أوفِ بعهدكم} بالترقي أبداً غلى الملك الودود، وخصّوني بالرهب والرغب، وتوجهوا إليّ في كل سؤال وطلب، أعطف عليكم بعنايتي وودي، وأمنحكم من عظيم إحساني ورفدي، {وآمنوا بما أنزلت} على قلوب أوليائي، ومن مواهب أسراري وآلائي، تصديقاً لما أتحفت به رسلي وأنبيائي، فكل ما ظهر على الأولياء فهو معجزة للأنبياء وتصديق لهم، ولا تبادروا بالإنكار على أوليائي، فتكونوا سبباً في طرد عبادي عن بابي، ولا يمنعكم حب الرئاسة والجاه عن الخضوع إلى أوليائي، ولا ترقبوا أحداً غيري، فإني أمنعكم من شهود سري.
{ولا تلبسوا الحق بالباطل}، فتظهروا شعار الصالحين وتبطنوا أخلاق الفاسقين، تتزيوا بزي الأولياء، تفعلوا فعل الأغوياء، وإذا تحققتم بخصوصية أحد من عبادي، فلا تكتموها عن أهل محبتي وودادي، وأقيموا صلاة القلوب بالخضوع تحت مجاري الأقدار، وأدّوا زكاة النفوس بالذل والانكسار، وكونوا مع الخاشعين، {واركعوا مع الراكعين}، أمنحكم معونتي ونصري، وأفيض عليكم من بحر إحساني وبري، أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي.

.تفسير الآية رقم (44):

{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44)}
قلت: البر، بالكسر: يجمع وجوه الخير وأنواع الطاعات، والنسيانُ: الترك.
يقول الحقّ جلّ جلاله في توبيخ أخبار اليهود: كانوا إذا استرشدهم أحد من العرب دلّوه على الإسلام، وقالوا له: دين محمد حق، وهم يمتنعون منه، وقيل: كانوا يأمرون الناس بالصدقة وهم يبخلون، فقال لهم: كيف {تأمرون الناس بالبر} والإحسان، وتتركون {أَنفُسَكُمْ} في الكفر والعصيان، وأنتم تدرسون التوراة الصحيح، وتعلمون أن ذلك من أقبح القبيح؟، أفلا عقل لكم يزجركم عن هذه الخصلة الذميمة؟؛ فإن من شأن العقل التمييز بين القبيح والحسن والنافع والضار، فكل من تقدم لما فيه ضرره فلا عقل له.
الإشارة: كل مَن أشار إلى مقام لم يبلغْ قدمه إليه، فهذا التوبيخ متوجِّهُ إليه، وكل مَن ذكر غيره بعيب لم يتخلص منه، قيل له: أتأمر الناس بالبر وتنسى نفسك خالية منه، فلا يسلم من توبيخ هذه الآية من أهل التكذير إلا الفرد النادر من أهل الصفاء والوفاء.
وقال البيضاوي: (المراد بها حثّ الواعظ على تزيكة النفس، والإقبال عليها بالتكميل لتُقَوم فيُقَيِّم، لا منع الفاسق عن الوعظ، فإن الإخلال بأحد الأمرين المأمور بهما لا يوجب الإخلال بالآخر). فانظره. وتأمل قول القائل:
يا أيهَا الرجلُ المعلِّمُ غيرَه ** هلاَّ لنفسِك كانَ ذا التعليمُ

تَصِف الدواءَ لِذي السقامِ وذي الضنَا ** ومِن الضَّنَا وجَواهُ أنتَ سقيمُ

وأراكَ تلقحُ بالرشادِ عقُولَنا ** نُصْحاً وأنت مِن الرشادِ عديمُ

أبدأ بنفسِك فانْهَهَا عَن غَيَّها ** فإذا انتهتْ عنه فأنتَ حكيمُ

فَهُناك يُقْبَلُ إن وعظتَ ويُقتدَى ** بالقول منكَ وينفعُ التعليمُ

لا تَنْهَ عن خُلقٍ وتأتيَ مثلَه ** عارٌ علَيكَ إذا فعلتَ عظيمُ

لكن مَنْ حصل له بعض الصفاء ذكر غيره ونفسه معهم، وكان بعض أشياخنا يقول حين يذكر الفقراء: نحن إنما ننبح على نفوسنا.

.تفسير الآيات (45- 46):

{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46)}
قلت: الصبر: هو حبس القلب على حكم الرب، فيحتمل أن يراد به ظاهره، أو يراد به هنا الصوم، لأن فيه الصبر عن الشهوات. والخشوع في الجوارع: سكونها وذُلها، والخضوع في القلب: انقياده لحكم الرب.
يقول الحقّ جلّ جلاله: يا مَن ابتلي بالرئاسة والجاه، استكبر عن الانقياد لأحكام الله؛ التي جاءت بها الرسل من عند الله، استعن على نفسك {بالصبر} على قطع المألوفات، وترك الحظوظ والشهوات، وأصل فروعها حب الرئاسة والجاه، فمن صبر على تركهما فاز برضوان الله. وفي الحديث: «وفي الصبر على ما تكرَهُ خيرٌ كثير».
قال الشاعر:
والصَّبْرُ كالصْبرِ مُرٌ في مذَاقَتِه ** لَكِنْ عَواقِبُه أحلَى مِن العسلِ

أو: {وَاسْتَعِينُوا} بالصوم {وَالصَّلاةِ}، فإن في الصوم كَسْرَ الشَّهْوَةِ وتصفية النفس، فإذا صفت النفس من الرذائل تحلت بأنواع الفضائل، كالتواضع والإنصاف، والخشوع وسائر سني الأوصاف، وفي الصلاة أنواع من العبادات النفسية والبدنية، كالطهارة، وستر العورة، وصرف المال فيهما، والتوجه إلى الكعبة، والعكوف للعبادة، وإظهار الخشوع بالجوارح، وإخلاص النبيّة بالقلب، ومجاهدة الشيطان، ومناجاة الرحمن وقراءة القرآن، وكف النفس عن الأطْيَبَيْنِ، وفي الصلاة قضاء المآرب وجبر المصائب، ولذلك كان- عليه الصلاة والسلام- إذا حزّ به أمر فزع إلى الصلاة، {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ} أي: شاقة على النفس؛ لتكريرها في كل يوم، ومجيئها وقت حلاوة النوم، {إلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ} الذين سكنت حلاوتها في قلوبهم، وتناجوا فيها مع ربهم، حتى صارت فيها قُرَّة عينهم.
الذين يتيقنون {إَنَّهُمْ مُّلاقُوا رَبِّهِمْ} فيتنعمون بالنظر إلى وجه الكريم، ويتيقنون أيضاً أنهم راجعون إلى ربهم بالبعث والحشر للثواب والعقاب، وإنما عبَّر الحق تعالى هنا بالظن في موضع اليقين إبقاء على المذنبين، وتوفراً على العاصين، الذين ليس لهم صفاء اليقين؛ إذ لو ذكر اليقين صرفاً لخرجوا من الجملة، فسبحانه من رب حليم، وجواد كريم. اللهم امنن علينا بصفاء المعرفة واليقين، حتى لا يختلج قلوبنا وَهْمٌ ولا ريب، يا رب العالمين.
الإشارة: يا من رام الدخول إلى حضرة الله، تذلل وتواضع لأولياء الله، وتجرّع الصبر في ذلك كي يدخلوك حضرة الله، كما قال القائل:
تَذللْ لِمنْ تهْوى فَلَيْسَ الهوَى سَهْلُ ** إذا رَضِي المَحْبُوبُ صَحَّ لكَ الوَصْلُ

فإن منعك من ذلك حب الرئاسة والجاه، فاستعن على ذلك بالصبر والصلاة، فإن الصبر عنوان الظفر، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر. فأدمن قرع الباب حتى تدخل مع الأحباب، فالإدمان على عبادة الصلاة أمره كبير، إلا مَن خلص إلى مناجاة العلي الكبير، وتحقق بملاقاة الشهود والعيان، ورجع إلى مولاه في كل أوان، فإن الصلاة حينئذٍ تكون له من قرّة العين. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
ولما أمرهم بالأصول والفروع، ذكَّرهم بالنعم، وخوفهم بالوعيد على عدم شكرها.

.تفسير الآيات (47- 48):

{يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (48)}
قلت: {العدل} بالفتح: الفداء، وبالكسر: الحمل، وجملة {لا تجزي}: صفة ليوم، والعائد محذوف، أي: لا تجزي فيه.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {يَا بَنِي إسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ} على آبائكم بالهداية وبعث الرسل، {وَأنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ}: أهل زمانكم، فاذكروا هذه النعم واشكروني عليها؛ بأن تتبعوا هذا النبيّ الجليل، الذي تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة والإنجيل.
وخافوا {يَوْماً} لا تَقْضي فيه {نَفْسٌ عَن نَّفْسِ شَيْئًا} بحيث لا تجلِب لها نفعاً، ولا تدفع عنها ضرراً، ولا تقبل {مِنْهَا شَفَاعَةٌ} إن وقعت الشفاعة فيها، ولا يؤخذ منها فداء، إن أرادت الفداء عنها، ولا تنتصر في دفع العذاب، إن أرادت الانتصار بعشيرتها. فانتفى عنها وجوه الامتناع من العذاب بأي وجه أمكن؛ فإن الإنسان إذا أُخذ للنكال احتال على نفسه إما بالشفاعة، أو بالفداء إن لم تقبل الشفاعة فيه، أو بالانتصار بأقاربه، والآيةُ في الكفار، فلا حجةَ لمن ينفِي الشفاعة في عُصَاة المؤمنين، والله تعالى أعلم.
الإشارة: قد يتوجَّهُ العتاب إلى أهل الرئاسة والجاه، من العلماء والصالحين، وكل من خُصَّ بشرف أو خصوصية، فيقول لهم الحق تعالى: {اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} بالعلم أو السيادة أو الصلاح، وبأن فضلتكم على أهل زمانكم، وخصصتكم من أبناء جنسكم؛ فقد رُوِيَ: «أنَّ العبد يُحاسب على جاهه كما يُحاسب على ماله». فمن صرفه في طاعة الله، وتواضع لعباد الله، وسعى في حوائجهم، وأبلغ الجهد في قضاء مآربهم، كان ذلك شكراً لنعمة الجاه؛ فقد رُوِيَ في الحديث: «مَنْ سَعَى في حَاجَةِ أخيهِ المسْلِم، قُضِيتْ أو لَم تُقْضَ، غُفِر لَه ما تقدَم مِنْ ذنبه، وكُتب له براءتان: براءة من النار وبراءة من النفاق».
ولا يأخذ على ذلك أجراً ولا جُعلاً؛ فإنَّ ذلك سحت وربا، ومن تكبّر به وطغى، أو أخذ على ذلك أجراً، قيل له يوم القيامة: قد استوفيت أجرك فلا حظ لك عندنا، فلا تنفعه شفاعة، ولا يقبل منه فداء، ولا يقدر أن ينتصر من موارد الهوان والردى، ففي بعض الأخبار: يقول الله تعالى للفقراء الذين يعظمون في الدنيا لأجل فقرهم: ألم أرخص لكم الأسعار؟ ألم أوسع لكم المجالس؟ ألم أُعطِّف عليكم عبادي؟ فقد أخذتم أجركم في الدنيا. أو كما قالك والله تعالى أعلم.